ابن الجوزي
172
صيد الخاطر
والكلام في هذه المسألة مرتب بذكر الحجج والشبه في كتب الأصول فلا أطيل به هاهنا بل أذكر لك جملة تكفي من أراد اللّه هداه ، وهو أن الشرع قنع منا بالايمان جملة وبتعظيم الظواهر ، ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهته ، ولا يقوى على قطع طريقه اقدام الفهم ، وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر فكيف يجوز الخوض في صفات المقدر ؟ وما ذاك إلا لأحد الأمرين اللذين ذكرتهما ، إما لخوف إثارة شبهة تزلزل العقائد ، أو لأن قوى البشر تعجز عن إدراك الحقائق ، فإذا كانت ظواهر القرآن تثبت وجود القرآن فقال قائل ليس هاهنا قرآن ، فقد ردّ الظواهر التي تعب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في إثباتها وقرر وجودها في النفوس ، وبما ذا يحل ويحرم ، ويبت ويقطع ، وليس عندنا من اللّه تعالى تقدم « 1 » بشيء ، وهل للمخالف دليل إلا أن يقول : « قال اللّه » فيعود فيثبت ما نفى . فليس الصواب لمن وفق إلا الوقوف مع ظاهر الشرع « 2 » فان اعترضه ذو شبهة ، فقال : هذا صوتك وهذا خطك ، فأين القرآن ؟ فليقل له : قد أجمعنا أنا وأنت على وجود شيء به نحتج جميعا ، وكما أنك تنكر علي أن أثبت شيئا لا يتحقق لي إثباته حسا ، فأنا أنكر عليك كيف تنفي وجود شيء قد ثبت شرعا ، وأما قولهم هل في المصحف إلا ورق وعفص وزاج ، هذا كقول القائل : هل الآدمي الا لحم ودم ؟ هيهات إن معنى الآدمي هو الروح ، فمن نظر إلى اللحم والدم وقف مع الحسّ . فان قال : فكذا أقول أن المكتوب غير الكتابة ، قلنا له : وهذا مما ننكره عليك لأنه لا يثبت تحقيق هذا لك ولا لخصمك ، فان أردت بالكتابة الحبر وتخطيطه فهذا ليس هو القرآن ، وان أردت المعنى القائم بذلك فهذا ليس هو الكتابة ، وهذه الأشياء لا يصلح
--> في مدارسهم ، وما يضر الأشاعرة أن يسميهم بعض الناس الجهمية ولا يضرهم إن وافقوا المعتزلة في شيء ، فإنه ليس كل ما قاله المعتزلة أو قال الجهمية باطلا ، بل إن فيه ما لا يخلو من حق ، وممن أنصفهم من العلماء المتأخرين العالم السلفي الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه اللّه « انظر رسالته : الجهمية والمعتزلة » ، وليس معنى قولي هذا ان الأشاعرة فوق النقد أو انهم أهدى الناس ، أو ان اتباع مذهبهم واجب ، فان الأشاعرة كغيرهم يؤخذ منهم ويرد عليهم ، ولا يجب وجوبا اتباع مذهبهم ، والخير فيما كان عليه السلف قبل أن تكون هذه المذاهب الكلامية كلها ، فمن استطاع ذلك فبها ونعمت . ( 1 ) أي أمر . ( 2 ) أي وقوف تفويض وتسليم لا تشبيه وتجسيم .